عبد الملك الجويني
125
الشامل في أصول الدين
نطق شيخكم بالعجز حيث قال : إذا عجز عنه في الكبر ، كان عنه في الصغر أعجز ، وهذا يناقض أصله . ومما سألوه عن الجملة أن قالوا : ليس يستقيم منكم إثبات مع نفيكم الاحداث والايجاد منا شاهدا ، إذ سبيل إثبات الحكم غائبا رده إلى الشاهد . فإذا أنكرتم خالقا مبدعا شاهدا ، وجوزتم وقوع الفعل على حسب قصد القادر واختياره من غير أن يكون إيجاد [ ا ] من القادر ، فلا يجدون إلى إثبات محدث سبيلا . وربما وجهوا هذا السؤال في معرض آخر فقالوا : من أصلكم أن طريق تعلق القادر منا بفعله : الاكتساب ، والرب يتعالى عنه ويتصف بالاختراع والخلق . فما أثبتموه شاهدا ، أحلتموه غائبا ، وما أثبتموه غائبا ، منعتموه شاهدا ، فكيف تتوصلون إلى الاستشهاد بالشاهد على الغائب ؟ ومما اعترضوا به أن قالوا : قد استدل شيخكم بآية من كتاب اللّه وهي قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ [ الواقعة : 58 ] . قالوا : وكيف يسوغ الاستدلال على من ينكر الصانع بآية من الكتاب . والمحتج عليه ينكر القرآن والصانع الموصوف به ، فلا معنى للاحتجاج عليه بالقرآن . فهذه جمل مطاعنهم ، فلا يشذ عنها من المقاصد شيء ، وكلها تمويهات يستنزل بأمثالها العوام ، ويدلس بها على الطعام . ونحن الآن ننعطف على جميع ما ذكروه ونوضح الانفصال عنه ، واللّه ولي التأييد والتسديد . أما ما ذكره أولا من أنه عمم السؤال وخصص الجواب ، فلا محصول له من أوجه : أحدها : أن شيخنا ينكر صيغ العموم ، فلا سبيل إلى أن يدعي عليه عموم صيغة السؤال وشمولها ، وهو من القائلين بنفي الصيغة العامة . على أنه لو كان من القائلين بالعموم ، لما لزم تعميم اللفظة التي ذكرناها فإنه لو قال القائل : ما الدليل على أن للخلق خالقا ، فذكر الخلق ، وليس ذلك من صيغ الجمع فيعم . والألف واللام يدخلان للعهد ، وقد يدخلان للجنس ، وهو لم يتعرض لواحد منهما . على أنا لو سلمنا عموم السؤال ، لما كان عليه معترض في فرض الكلام في صورة على التعيين ، إذ كان الغرض لا يختلف باختلاف الصور . وربما يكون الكلام في بعضها أجلى وأقرب إلى الأفهام ، وأنفى لطرق الإبهام . والذي يوضح ذلك أن من قال : الدليل على ثبوت الأعراض أن الجوهر الساكن إذا تحرك ، اقتضى ذلك زيادة معنى ، كان ذلك الكلام مستقيما في رسم النظر ، وإن اختص الدليل بالأكوان وتقدم ذكر الأعراض . ومن أنكر في مذاهب الكلام وطرق الحوار